الشنقيطي

307

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فالجواب - واللّه تعالى أعلم - أنه لا تعارض بين الروايتين ، لأن « فدك » ونصيبه صلى اللّه عليه وسلم من « خيبر » كلاهما فيء كما قدمنا عليه الأدلة الواضحة ، وكذلك « النضير » ، فالجميع فيء كما تقدم إيضاحه ، فحكم الكل واحد . وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها ، قالت : وكانت فاطمة رضي اللّه عنها تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خيبر ، وفدك ، وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك ، وقال : لست تاركا شيئا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعمل به إلا عملت به ، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ . فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي ، وعباس ، وأما خيبر ، وفدك فأمسكهما عمر ، وقال : هما صدقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر ، قال : فهما على ذلك إلى اليوم . هذا لفظ البخاري في صحيحه . وقال ابن حجر في [ الفتح ] : وقد ظهر بهذا أن صدقة النبي صلى اللّه عليه وسلم تختص بما كان من بني النضير ؛ وأما سهمه من خيبر ، وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده ، وكان أبو بكر يقدم نفقة نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر ، وفدك ، وما فضل من ذلك جعله في المصالح ، وعمل عمر بعده بذلك ، فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه ، فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم ، قال : جمع عمر بن عبد العزيز بني مروان ، فقال : « إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان ينفق من فدك على بني هاشم ، ويزوج أيمهم ، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى ، وكانت كذلك في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر وعمر ، ثم أقطعها مروان » ، يعني في أيام عثمان . قال الخطابي : إنما أقطع عثمان « فدك » لمروان ، لأنه تأول أن الذي يختص بالنبي صلى اللّه عليه وسلم يكون للخليفة بعده ، فاستغنى عثمان عنها بأمواله ، فوصل بها بعض قرابته ، ويشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة المرفوع الثابت في الصحيح بلفظ : « ما تركت بعد نفقة نسائي ، ومؤونة عاملي فهو صدقة » . فقد عمل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهما ، ا ه . واعلم أن فيء « بني النضير » تدخل فيه أموال « مخيريق » رضي اللّه عنه ، وكان يهوديا من « بني قينقاع » مقيما في بني النضير ، فلما خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى أحد ، قال لليهود : ألا تنصرون محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم ، فقالوا : اليوم يوم السبت ، فقال : لا سبت ، وأخذ سيفه ومضى إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته الجراحة ، فلما حضره الموت قال : أموالي إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم يضعها حيث شاء ، وكان له سبع حوائط ببني النضير